سماسرة الموت والكرامة


فكرية شحرة

  ستجده هناك على أحد أرصفة شوارع المملكة..؛ شابٌ اكتمل شبابه رغم المعاناة ونقص جسده ساق واحدة؛ شاب هزيل فقد نصف دمه في البقع..
 
ستجده يضحك ملء شدقيه، وهو المتسول الذي يزحف بجسده أرضا كفراشة فقدت جناحيها فصارت مجرد دودة..!!
 
قانعٌ بما هو عليه، بعد ما لاقاه من أهوال سابقة يقشعر لها البدن، وصار يشعر أنه في الجنة، حتى وإن كان عبارة عن متسول..!!
 
كان حلما أقرب للمعجزة، كونه نجا بعد انفجار هشّم ساقه وعلقها بجسده ككيس من اللحم والعظم المهروس..، زحف كثيرا بين الأشلاء والصخور، وكل الوجعات التي لم يكن يتخيلها ولا تشبه الجوع الذي كان يخيفه زمنا.
 
نجا بأعجوبة، لتكون جنته متسول على أرصفة الكرامة المهدورة..!!
 
أحد ضحايا سماسرة الأرواح؛ أقنعه تاجر البشر بفترة وجيزة يتدرب خلالها في البقع، قبل أن يدخل أرض المملكة للعمل، تهريب..
 
كان التدريب العسكري الذي خاضه، بمثابة نزهة لأسبوعين، مقارنة بفترة القتال الدامية التي خاضها على الحدود.. رأي فيها عشرات من رفاقه يُقتلون بوحشية، ويتناقصون كل يوم ليأتي آخرون..!
 
مئات الشباب، يساقون كالنعاج لمحرقة الموت على حدود المملكة دون تدريب أو تأهيل؛ إنهم الشباب اليمني؛ منجم الأرواح المتحمسة للموت والمغامرة بلا خوف.. والسبب هو: إغراء الجوعى بالمائدة الأخيرة، والتي قد لا تصل لذويهم بعد رحيلهم..!!
 
في كل بلدان العالم، يعد الشباب ضمن ثرواتها الأهم؛ لكننا في اليمن يعد الشباب ضمن الأعشاب الضارة، لذا تُجزُّ رؤوسهم كأرخص ما في هذا الوطن من مخزون بلا قيمة.. !!
 
أفرزت لنا الحرب كل البشاعات التي لا يتخيلها عقل؛ ابتداء من سماسرة أقوات الناس، وانتهاء بسماسرة الموت وتجار الشهادة في سبيل الفرار من الجوع..!!
 
ودفعت لنا الحرب بفئة، تسعى إلى الموت على أسوار المملكة قتلا أو تسولا ...!!
 
عشرات، إن لم يكن مئات، من أطفال اليمن يتم اختطافهم، أو دفعهم من قبل أهاليهم، أو أنهم من أطفال الشوارع يتم تهريبهم عبر الحدود لامتهان التسول في مدن المملكة.. !!
 
يجوبون الشوارع، مستغلين وضع اليمن المأساوي، من أجل التسول واستدرار عطف الناس، ثم يسلمونها لرعاة هذا الإجرام الفاحش، ليحصلوا على مبالغ بسيطة تتقبلها طفولتهم البريئة راضية بها مرضية..! ناهيك عن ما يصاحب هذه الجريمة من انتهاكات جنسية للقصر والأطفال..!! 
 
إنهم سماسرة البشر يسرقون أرواح اليمنيين، ولا يكتفون بذلك، بل يسرقون كرامتهم كشعب ينتهج التسول، أفرادا وحكومة، أطفالا ومسؤولين..!
 
فلا فرق بين أطفال اليمن، وهم يتسولون الصدقات في شوارع الرياض، وبين حكومتنا الموقرة وقيادات أحزابنا هناك..!
 
إنها كرامة اليمنيين، تُقتل قبل شبابهم، في سعيهم نحو حدود المملكة؛ فلا نحن حافظنا على كرامتنا، ولا نحن حافظنا على دولتنا، ولا نحن تجنبنا إهدار أرواح شبابنا بلا طائل..!!
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر