في 31 ديسمبر/كانون الأول، صدر قرار رئيس الجمهورية بتعيين نبيل شمسان محافظا جديدا لتعز. وفي 17 مارس/ آذار، أي بعد شهرين ونصف تقريبا على تعينه، وصل المحافظ الجديد الى المحافظة لممارسة مهامه.
 
"شمسان" هو ثالث محافظ يتم تعيينه لهذه المحافظة الهامة منذ بدء عاصفة الحزم (أواخر مارس 2015)؛ حيث سبقه البرلماني علي محمد المعمري (2016)، والذي استمر حوالي سنتين؛ ثم الدكتور أمين احمد محمود (2018)، الذي لم يستمر في منصبه أكثر من عام واحد فقط، لكن فترته حظيت بالكثير من الجدل والانقسامات السياسية والعسكرية في المدينة.
 
ولعل تلك التغييرات المتتالية والمتسارعة في فترة قصيرة- لم تزد عن ثلاث سنوات- كانت وما زالت تطرح اسئلة ملحة حول أسباب عدم استقرار هذه المحافظة سياسيًا؟! ولماذا فشل كِلا المحافِظَينْ السابِقَينْ في البقاء في منصبيهما؟! وما هي نقطة السر المركزية التي أخفق هؤلاء المسئولون في اللعب عليها لينجحوا في مهامهم؟!
 
ومع وصول المحافظ الجديد، لعل من المناسب أن نثير تلك التساؤلات مجددا، إلى جانب بعض النقاط الهامة الأخرى التي تمثل قضايا ملحة يتوجب التركيز عليها من قبل أي محافظ جديد يبدأ بمزاولة مهامه الإدارية في هذه المحافظة.
 

أسباب الفشل
 
ثمة نقطة مهمة يغفل كثير من الإداريين في تعز عن التنبه لها، ويستتبع ذلك إخفاق في عملهم. هذه النقطة تتعلق بالتوازنات السياسية الهامة في هذه المحافظة الحساسة.
 
حيث تعد تعز المحافظة الحيوية الأولى على صعيد النشاط السياسي، من حيث تواجد القوى السياسية المتعددة فيها، وما يولده هذا التواجد من صراعات مصالح متضاربة. إلى جانب ذلك، طبيعة المجتمع التعزي النشط. هذا النشاط الذي يجعله يقظًا تجاه أبسط السلوكيات السياسية للمسؤولين، ما يصعب عليهم تمرير أي سياسات بعيدًا عن مجهر المراقبة الشعبية.
 
بناء على هذه الخصوصية السياسية والمجتمعية لهذه المدينة؛ فإن أي إداري يفشل في إدراك هذه الطبيعة، ويحاول فرض سياسات متصادمة مع فصيل معين، أو انتهاج سياسيات استفزازية في أي مجال من المجالات الإدارية، أو تجاه أي ملف من ملفات اللحظة في تعز، فإنه بذلك يستدعي حالة سخط فورية، يستتبعها انقسام سياسي، وينتهي الأمر بحالة فشل سريعة. ولعلّ المحافظ السابق أبرز نموذج في هذا الاتجاه.
 

أولى المهام وأصعبها
 
يمكننا القول إن أي محافظ يتولى شؤون هذه المحافظة، ما لم ينجح في بناء حالة إجماع شعبي وسياسي عام حوله، فإنه سوف ينتهي كسابقه، وسوف تستمر المحافظة في حالة دائمة من الانقسام، ولن يتمكن أي شخص من إدارتها وفقًا لسياسة مزاجية، أو عبر أجندات خارجية تتصادم مع مشروع المدنية وحلم الدولة، الذي ناضل أبناؤها من أجله كثيرا.
 
وانطلاقًا من هذه الحاجة الأساسية، نرى أن أول المهام الماثلة أمام المحافظ الذي وصل أخيرًا إلى المدينة، هي: العمل على خلق حالة اصطفاف سياسي في المحافظة، وإنهاء حالة الاستقطاب الشعبي، وتحشيد المجتمع خلف الإدارة الجديدة، ليتمكن من العمل في محيط منسجم، والتفرغ للملفات العالقة التي تنتظره.
 
وهذا لن يكون إلا عبر اتّباع رؤية سياسية جامعة، تنتهجها إدارة قائمة على الشراكة والكفاءة والشفافية. وفي نفس الوقت، محاذرة الوقوع في أي سياسة تصادمية، كالتورط في الاقصاء، أو الاستفراد بالقرار، أو التساهل تجاه أي أجندة مستفزة لأبناء المحافظة.
 

استكمال التحرير
 
إن أبرز ملف عملي وملح وعاجل في محافظة تعز، هو استكمال عملية التحرير. وبدونه، لا يمكن تحقيق حالة استقرار شامل في المدينة، وسوف تظل كل الإنجازات محدودة.
 
ولأن ملف استكمال التحرير ذو أبعاد سياسية، خارجية وداخلية، ولا يملك المحافظ كل خيوط التحكم بها، إلا أن بوسعه لعب دور في حلحلة هذا الملف والدفع به للأمام، كهدف مركزي عام لأي سلطة تعمل برؤية استراتيجية على المدى المتوسط والبعيد.
 
حيث سيؤدي استكمال التحرير إلى فك الحصار عن المدينة، وربط تعز ببعضها، بعد غربة إجبارية فرضتها المليشيات، وفصل عنصري- حرّم التنقل بين شرق وغرب وشمال وجنوب تعز- ما زال قائما حتى اللحظة. كل هذا يعد شرطًا أساسيًا وضروريًا لتسوية الوضع في المدينة. الأمر الذي سيهيئ أجواء تنموية كبيرة وممكنة لأي إدارة فاعلة في المحافظة.
 

الأمن أولا 
 
إلى جانب التحرير، ثمة أولوية أخرى تتمثل بالعمل على توطيد الأمن الداخلي. فنحن أمام محافظة تتهددها الكثير من عوامل الفوضى، وثمة عيون كثيرة لديها رغبات خاصة في المدينة ولا يمكنها أن تتركها تمضي بهدوء.
 
بالطبع، يمكن القول إن الوضع الأمني بات أفضل بكثير من السابق. إلا أن هذا لا ينفي وجود قلاقل هنا وهناك، لعل أخرها ما حدث الإثنين الماضي من اغتيال أحد ضباط اللواء 22 ميكا. وهي حادثة يمكن قراءتها كرسالة أولية للمحافظ الجديد بعد يوم من وصوله، ليكون التحدي أمامه هو تكثيف العمل على الجانب الأمني، والحفاظ على حالة السلم الداخلي، وتعزيز الاشتغال عليها، كونها تمثل الأرضية الأولى لاستقرار العمل في أي مدينة.
 

تفعيل مؤسسات الدولة 
 
من أهم أسباب عدم استقرار الحياة في المناطق المحررة بمحافظة تعز، إلى جانب ضعف الأداء الإداري في مؤسسات الدولة، هو عدم جاهزية هذه المؤسسات، كسبب من آثار الحرب. يستتبع هذا غياب الانضباط الإداري الذي يعلله أصحابه بالسبب ذاته، وبعدم أهلية المؤسسات للدوام فيها. وبالتالي، سيكون من المهم البدء باستكمال ترميم مؤسسات الدولة كمقدمة لتطبيع الحياة بشكل كامل. وهذا بالطبع سينعكس على المدينة ومواطنيها بمزيد من الاستقرار، ويمهد لتجاوز مرحلة الحرب بالتدريج، وصولا لحالة استقرار شامل بعد انتهاء التحرير.
 

الخلاصة:
 
تعز محافظة كبيرة وحيوية، تنطوي على عوامل قوة كبيرة وتشكل قاعدة الانطلاق نحو مشروع الدولة؛ لكنها تحتاج إدارة ذكية تعمل على استثمار نقاط قوتها، سياسيا ومجتمعيا، وهذا لن يتحقق إلا بشخصية إدارية على إدراك جيد بتناقضات المحافظة، ولديها استشعار كاف إزاء حساسيتها.
 
 ومتى ما نجحت في إدارة الواقع السياسي في المدينة، بشكل متوازن، سوف تتمكن من استثمار حيوية المحافظة وطابعها التعددي لتعزيز ثراءها أكثر، وبما يصب في صالح المدينة وأبناءها ومشروعهم، وصولا إلى مشروع الدولة ككل، وفي كامل تراب البلد.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر