انتكاسة التعليم في زمن الحرب


منذر فؤاد

منذ انقلاب الحوثيين على مؤسسات الدولة بما فيها مؤسسات التعليم، تتزايد المأساة التعليمية، وتتكشف تبعا لها الكثير من القصص المؤلمة والأرقام والإحصائيات والتقارير، وهي في تغيّر مستمر تبعا لتطورات الحرب، بيد أن الثابت الوحيد هو أن العملية التعليمية تتجه نحو الهاوية إن لم تكن قد سقطت فيها.
 
تشير إحصائيات مركز الإعلام التربوي إلى أن مايزيد عن مليون وأربعمائة ألف طفل أصبحوا خارج العملية التعليمية منذ بداية الحرب، لينضموا إلى مليون وسبعمائة ألف  آخرين عدد المتخلفين عن العملية التعليمية قبل الحرب، وبلغ عدد المدارس التي توقفت بسبب الحرب نحو 2400 مدرسة وفقا لما ذكرته يونيسيف، وهذه الأرقام تكشف جزءا من انتكاسة تعليمية آخذة في التمدد والإتساع. 
 
وحتى من سنحت لهم الفرصة لمواصلة التعليم وهو عدد لا يستهان به، فإن حالهم أشبه بحال غريق يتمسك بقشّة بغية النجاة، نظرا لأن العملية التعليمية تسير في مركب تتقاذفه أمواج عاتية، ومن غير الممكن مجابهة هذه الأمواج، والوقوف في طريقها، لأن الغرق سيطال المركب بما فيه!
 
العملية التعليمية التي كان يفترض أن تبقى بمعزل عن تداعيات الحرب، أصبحت ورقة رابحة في أيدي الميليشيا الانقلابية، فمن جهة حولتها إلى منصة لزرع مشروعها الطائفي وخزّان بشري لتعويض خسائرها البشرية، ومن جهة أخرى تستغل أخطاء وجرائم التحالف في قصف المدارس للتسويق السياسي والإنساني، وكسب التعاطف الدولي مع مزاعمها في المشروعية والدفاع عن الأرواح.
 
في أواخر العام 2016، عيّن الحوثيون يحيى الحوثي وزيرا للتربية والتعليم في حكومتهم، وبدأ الرجل حملته لتعديل المناهج الدراسية منذ وقت مبكر، وصفها أولا بأنها ضالة وغير نافعة وتثير الفتنة، ثم شرع بشكل فعلي في فعل ما يراه مناسبا، غير أن مايراه مناسبا لم يكن سوى طعنة جديدة في جسد العملية التعليمية من قبل جماعة تجيد الطعنات الغادرة .
 
أعلن يحيى الحوثي في سبتمبر من العام الماضي استكمال تعديل المنهج المدرسي، في خطوة أقل ما يمكن وصفها بالاستفزازية لمشاعر الشعب اليمني، وقيمه التي لا تتفق مع ماورد من تعديلات في المنهج الدراسي، وهي تعديلات تركزت بشكل أساسي على المراحل الأساسية، في محاولة منها لتربية جيل يؤمن بأفكارها المستوردة، ومبادئها الخبيثة، التي يمقتها غالبية اليمنيين، إضافة إلى أن عملية التعديل المزعومة جرت في ظل غياب عمل المؤسسات المنوط بها ممارسة هذا الدور، والمخزي في هذه المهزلة أن اليونيسيف دعمت طباعة المنهج المعدل بمليون طن من الورق!
 
استهداف التعليم لا يقتصر فقط على المدارس والمناهج الدراسية، وإنما وصل إلى استهداف التلاميذ، من خلال عمليات التجنيد الإجبارية والطوعية لآلاف الأطفال، والدفع بهم إلى المتاريس بدلا عن المدارس، ومع تزايد خسائر الحوثيين ترتفع نسبة تجنيد الأطفال في سن التعليم، وبحسب بيانات حكومية فقد بلغ عدد الأطفال الذين جندتهم الميليشيا الانقلابية 23 ألف طفل، بينهم 2500 طفل تم تجنيدهم منذ مطلع العام الجاري 2018.
 
تدرك العصابة الحوثية أن انقلابها على مؤسسات الدولة لن يستمر إلى النهاية، وهو ما يفسّر خطواتها المتسارعة في إفراغ العملية التعليمية من محتواها العلمي وتحويلها إلى وسيلة لنشر مشروعها الطائفي، وتجنيد الأطفال وطلاب المدارس في سبيل هذا المشروع.
 
ثمة تحديات كبيرة تواجهها العملية التعليمية في المرحلة الراهنة، خاصة مع تهاوي الوضع الاقتصادي الذي أثر بشكل كبير على معيشة المواطنين، وتضررت منه قطاعات واسعة بينها التعليم، وما يندرج في إطاره كرواتب المعلمين، وإمكانيات الطلاب المادية.
 
السلطة الشرعية والتحالف العربي يتحملان مسؤولية كبيرة أيضا في انهيار العملية التعليمية، وجميعنا يعلم أن حسابات التحالف الضيقة وتأخيره للحسم ورغبته في إطالة أمد المعركة أحدثت آثار كارثية على جميع المستويات والقطاعات بما فيها التعليم، ولا يمكن تبرير انحراف التحالف والتماس الأعذار له كما يفعل بعض المتزلفين.
 
إجمالا، فإن الانتكاسة التي أصابت العملية التعليمية سيكون لها تداعيات كارثية على المدى البعيد، إذ إن استمرار الحرب يعني أن الأمية ستحصد ملايين الأطفال ممن حالت الحرب دون التحاقهم بمقاعد الدراسة، وسيكون من الصعب على جيل لم يتلق التعليم أن يسهم مستقبلا في بناء دولة خرجت من أتون الحرب، وتحتاج لبناء الإنسان قبل مشاريع إعمار ما خلفته الحرب، وهو ما يستدعي من السلطة الشرعية أن تضع في أولوياتها الاهتمام بالقطاع التعليمي فلا يزال في الوقت متسع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر