مديرية في تعز، حاكم المحكمة فيها يتحدث اللهجة الصنعانية، ويحتاج مترجم ليفهم ما يقوله الناس، لقبه هاشمي، ويلبس الزي التقليدي الذي كان يلبسه الإمام في فترة الحكم الإمامي، قيل أن ابنته في تلك الفترة كانت خريجة الصف التاسع، وتدير أكبر مدرسة بنات في المديرية.

ومدير التمويل قادم من صنعاء، ورئيس قسم الشرطة، والكادر فيه أغلبهم من شمال شمال البلاد، كما يُقال في اللهجة الدارجة من "أصحاب مطلع". هذا نموذج يتكرر في كثير من المناطق اليمنية، في وقت كان فيها النظام جمهوري، ويستمر إلى ما بعد الوحدة اليمنية.

هناك رأي يقول أن مشاركة كوادر من منظومة الحكم السابق في الحكومة التي تنشأ بعد الثورة، يخفف حِدة الانقسام الشعبي، ويدرء عن البلد مغبة الوقوع في صراعات، وهذا ما فعلته تونس بعد الثورة فكانت نموذجاً ناجحاً في دول الربيع.

إلا أن هذا الرأي يدعونا إلى الوقوف عليه ويجبرنا على "الطِنّان" قليلاً .. كيف ممكن أن يحدث ذلك في اليمن؟ ولا وجه للمقارنة بين البلدين، فتونس دولة مدنية، تتمتع ببنية تحتية مقبولة، ونسبة الأمية فيها قليلة، ومحيطها لا يكترث بواقعها السياسي، وموقعها الجغرافي ليس بأهمية موقع اليمن، غير لأنها لم تصل إلى القمة بعد.

ولا جديد في الأمر فقد رُويَ لنا أن اليمن بعد ثورة 26 سبتمبر توصل فيها أغلب أطراف الصراع إلى حل توافقي وهو مشاركة كل فصائل النزاع في السلطة، وهذا يعني أن اليمن فعلتها قبل تونس بعقود وتم توزيع المناصب في الدولة بالتوافق بغرض التخفيف من حدة الانقسام وتوقف النزاعات، وبالفعل كان ذلك وبقيت جذور فاسدة من الحكم الإمامي تحت حماية الدولة.

وتم دمج كوادر في النظام الجمهوري، لا تعرف من السياسة إلا النظام الكهنوتي والمتعالي، ولا تخطوا خطوة حتى تعرف كم نسبة المصلحة التي تعود إليها، إلى أن أعتاد اليمنيون على مظاهر الأنانية تلك في كثير من العزل والقرى وكأنه نظام حياة أتت به الطبيعة، أو أنه قدر الله على هذا الشعب.

لا خلاف، أنه من حق كل أطياف المجتمع المشاركة، وتقلد المناصب حتى لو كانوا جزء من المنظومة السابقة؛ ولكن لا يكون ذلك مجدي إلا في ظل فرض أنظمة عادلة وإجراءات تمنع وقوع أي فساد مالي وإداري.

فواقع الحال، أنه لا استفادة من أخطاء الماضي، ولا يزال العمل بالبركة والمحسوبيات قائم، واستنساج بيئة عمل عبثت بدولة حتى جعلتها في حكم العدم، وتبادل الخبرة في النصب والاحتيال على أشده تحت مظلة القانون، تماماً كما هو الحال الذي ورثته مليشيات الحوثي من النظام السابق، وفرضت بقاءه في شمال اليمن.

يُقال أن الحكمة السياسية قد تقتضي أحياناً عمل ما، ظاهره العذاب، وباطنه الرحمة، مثل ما حدث مع المسلمين في صُلح الحديبية، فيذعن بعضنا لهذا الطرح بسبب قداسة الحجة والاستدلال، لا أدري إن كان هذا الإذعان لأمر الله أم لغير الله عز وجل.. وننسى أنه لا أحد بيننا معصوم، ولا وجود لوحيّ سماوي يجعلنا نستغني عن الأخذ بالأسباب، والعمل وفق منهجيات حديثة في اتخاذ القرار، وحل المشاكل، ورسم خارطة عمل للمستقبل، يقي البلد النكبات التي غفل عنها الأجداد، حين توكلوا على الله في ليلة ظلماء، فأتت بالحوثي من جبال مران إلى عاصمة اليمن بعد أكثر من خمسة عقود من قيام ثورة الـ 26 سبتمبر.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر