الدولة ورمادها


منذر فؤاد

 
لا تستهين بالدولة ولو كانت رماداً، مثل شعبي حفرته الحرب كثيرا في ذاكرة اليمنيين، وأصبح هذا المثل الشعبي، بمثابة مادة دستورية يستحضرها الشعب، خاصة في أوقات الأزمات، ودعوة ضمنية للالتفاف حول مشروع الدولة، ونبذ ما عداها من الكيانات والمشاريع الخاصة.
 
مؤخراً، شهدت مدينة تعز حملة أمنية، لاستعادة مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية شرقي المدينة، وتأمين المنطقة التي تعتبر مصدر الكثير من عمليات القتل والاغتيال التي طالت أفراد الجيش الوطني على مدار العامين الماضيين ولاقت الحملة ترحيباً وتأييداً كبيرا بين أوساط المواطنين، ورأوا فيها أملا حقيقيا لاستعادة هيبة الدولة ورمزيتها، وبداية جادة لمعالجة بقية الاختلالات داخل المدينة.
 
جهود الحملة الأمنية لبسط سيطرتها على مؤسسات الدولة شرقي المدينة، واجهت معوقات بمجرد وصولها إلى المكان، كون المنطقة تخضع لسيطرة عصابات مسلحة لا تؤمن بمشروع الدولة، وهذه العصابات كان من السهل التعامل معها، وتأمين سيطرة الحملة الأمنية على المنطقة، لكن دخول العقيد أبي العباس، ومؤازرته للعناصر المسلحة، أدى إلى بروز تحديات جديدة للحملة الأمنية، كان بينها ما طرحه العقيد نفسه، من اشتراطات بالانسحاب، والتنسيق معه، والعمل تحت حمايته، في تصريح يعد تمردا على مؤسسات الدولة، ممثلة بالسلطة المحلية، التي اتخذت القرار، والحملة الأمنية التي تولت تنفيذ القرار.
 
إن رمزية الدولة التي أهانها العقيد تحت مبررات ذكرها في خطابه، أوجدت تعاطفا شعبيا كبيرا مع الحملة الأمنية، وحالة تأييد واسعة من الشارع في مدينة تعز لبسط سيطرة الدولة، ولم يكن هذا التأييد الشعبي يستهدف كتائب العقيد، فهو لايزال يؤمل فيها خيراً، كما أنها لاتزال حتى اللحظة محسوبة على الجيش الوطني، وهو ما يستدعي من المؤسسة العسكرية سرعة العمل على تأطيرها بشكل رسمي، ضمن الجيش الوطني، لتصبح سندا للدولة لا عبئا عليها، وحتى لا تخسرها، وتصبح ورقة رابحة في أيدي الخارج.
 
إن الدولة التي يبحث عنها المواطن، ليست خاصة بحزب أو جماعة معينة، فالدولة أكبر من أي حزب أو جماعة، وتتقزم أمامها المشاريع الخاصة والأحزاب مهما كبر حجمها، وإذا كان مشروع الدولة أصبح سلعة رابحة في الخلافات السياسية، فإن المواطن البسيط لا يهتم كثيرا لأحاديث السياسة وأجندتها، وإنما التطبيق العملي على أرض الواقع، والعمل الدؤوب على تطبيع هذا المشروع في مكان إقامته، وقد يتغيّر من يدير الدولة، وطريقة إدارتها، لكن مشروع الدولة يجب ألا يتغير.
 
إن السلطة الشرعية، مطالبة بأن تكون عند مستوى الآمال المعقودة عليها من المواطنين، ويجب أن تمارس دورها بشكل فاعل في المناطق المحررة، وتتصدى للعبث الإماراتي فيها، كما يتوجب مسؤوليها التواجد على أرض الوطن، وممارسة مهامهم من داخل أراضيه، بدل الإنزواء في الغرف الفارهة في المنفى، وترك مصائر المدن تحت تصرف دول التحالف العربي، التي تعمل على ترسيخ مشاريعها الخاصة على حساب مشروع الدولة اليمنية، منذ نحو عامين.
 
مشروع الدولة، سيبقى حاضرا في أذهان اليمنيين، وإن لم يجد طريقه للتطبيق على الأرض؛ كونه الحل الوحيد، للحفاظ على سيادة وثروات البلد وتماسك أجزائه وجغرافيته، وأيضا استعادة الأمن والأمان، وحفظ الحقوق والممتلكات، وتعزيز الروابط الاجتماعية والإنسانية بين أفراد المجتمع، وتحقيق السكينة العامة والاستقرار النفسي.
 
إن الشعب الذي تجرع مرارة الحرب والحصار، لأنه رفض الخضوع لسلطة اللادولة، لا يمكن أن يقبل بوجود كيانات مسلحة تتبنى نفس المنطق في المناطق المحررة، وإن كانت تدعي الوطنية، أو تلتحف العباءة الدينية، فالدين والوطن أكبر من استحضارهما في مثل هكذا مشاريع.
 
والشعب الذي خرج لمواجهة الإنقلابيين بالقلم والبندقية، من أجل استعادة الدولة ومؤسساتها، لن يسمح مرة أخرى بضياع جهوده في المناطق المحررة، وسيظل المواطن متمسكا بالدولة كحل للخروج من مأزق الانقلاب ومعضلة الانفلات، حتى وإن لم يبق من مشروع هذه الدولة سوى الرماد.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر