معركة معاملة روتينية..


نور ناجي

"آفة حارتنا النسيان"، كما قال الروائي المصري الشهير الراحل نجيب محفوظ. قد نختلف معه في ذلك، فالنسيان لم يكن علتنا، بل كان الجهل ومازال هو افتنا المستمرة، وتقف خلفه، تعضده وتسانده، أُمّيّة قديمة، ما سهل التآمر علينا واستبدلت تاريخنا الحقيقي بمناهج مدرسية ضعيفة المستوى، أو توارت خلف مجلات وقنوات تلفزيونيه تحمل من التسلية ما يكفي لتغييب أجيال عن وعيها...!
 
تشبَثَتُ بالملف جيداً حتى لا تسقط أحد أوراقه؛ معاملة روتينية من تلك المعاملات التي تستهلك وقتك وجرعة كبيرة من كمية الصبر الممنوح لك في مشوار حياتك، لكنها أيضاً تعطيك الخبرة اللازمة لكشف أسرار وعيوب البيروقراطية المملة ومعرفة دهاليزها، وتمنحك شبه إحساس بوجود دولة وإن كان إحساسا مزيف ...
 
لم أكن وحيدة في ذلك المكتب الواسع، بضعة معاملين نؤازر بعضنا البعض بنظرات تدعو للثبات والصمود !! ومكاتب صغيرة موزعة على أركانه ويجلس عليها موظفون يبدو عليهم البؤس كحال موظفي الدولة في هذه الأيام.
 
جميعنا بانتظار المدير العام الجديد، المعين من قبل الميليشيا بمؤهل يحسد عليه، ويتمثل في انتمائه السلالي ورفده الجبهات بالعديد من أطفال وشباب قريته والقرى المحيطة ضد أعداء الوطن في البيضاء وتهامة وتعز- كما همس أحد الموظفين..
 
مر الوقت بطيئاً ليتسلل اليأس من إمكانية حضوره، إلا أنه كذّبَ ظنوننا ودخل المكتب تسبقه الكرش المنتفخة ورائحة العطر الثقيلة. يبدو أن عجلة الحرب لا تسير بعدالة للخلف، البعض مضت به قدماً وقد بدت عليه آثار النعمة..
 
لحق به العامل بكوب الشاي، وملفاتنا على أهبة الاستعداد للختم المبارك. اتجهت نحوه بعد أن أشار إليَّ بالتقدم، راكلة تأنيب ضميري عرض الحائط لتخطي دوري بين قائمة المنتظرين. لن أتنازل عن كوني أنثى في مجتمع ذكوري، فهي منحة إلهية مقابل سيل المعاناة التي نواجهها في الحياة..
 
أمسك المدير بأوراق الملف وراح يتفحصها بعناية. لم أحاول تنبيهه بأنها مقلوبة، فكل شيء في البلد انقلب رأسا على عقب، ولا تتميز معاملتي عن الوطن في شيء ليستوي حالها، أريد التوقيع وختم فقط ..
 
تفاجأت حين ألقى بالملف جانبا، وقال ببرود: "معاملتك غير قانونية". جاهدت كي أمسك لساني، فأوراقي كاملة ومستوفية جميع الشروط القانونية المطلوبة منها. بلعت غضبي وأعدت ترتيب الملف قبل أن أرفع رأسي إليه مرة أخرى.
 
من أهم شروط تخطيك لأي معاملة حكومية، الابتعاد المباشر عن التحديق في صاحب الختم، حتى لا يعتبر نظرتك تحدٍ سافر تشهره في وجهه، ولم أكن قد لاحظت قبل تلك اللحظة نظرة المدير العام الغريبة التي يرمق بها الجميع، خاصة أولئك الموظفين القابعين خلف مكاتبهم..
 
استوقفتني نظراته بفضول، لأفك شفرتها الاستنكارية المستهجنة، اختفت الألوان حولي لتتحول صورة المكتب ومن فيه إلى تدرج بين اللونين الأسود والأبيض، الذي يتخلله الكثير من الرمادي الكئيب السارق للروح..
 
شعرت للحظات أنني أزور صفحة الأستاذ خالد الرويشان الذي يبرع في إبراز معاناة اليمنيين قديماً وصور من تجرّعُهم تلك المعاناة. أجدني الأن أقف شخصيا أمام "ذرة من غبار التاريخ"، أتخيله يكاد يخرج من الصورة عديمة الألوان لينهر موظفيه: "ليش هذي الجلسة، قم أنت والقط لي نار للبوري، وأنت هناك تحرك من مكانك وكبس لي أرجلي، وأنت يا مطنن انزل لليهودي خليه يشد لك القيود شوي؟!"..
 
لم يكن الماضي فقط من انبعث، بل غضبه وقهره ووجع عشرات السنين..؛ مسحت من جوفي العبارات التي كنت أعدها للمدير في محاولة لتمرير المعاملة، واحتضنت الملف ليخرج صوتي حازم وهاديء وغريب- حتى على نفسي- قلت له: "معاملتي صحيحة ومستوفية لكل شروطها، لكنك تريد أن اترجاك وأتذلل لإكمالها، أعذرني سيادة المدير العام لن أتذلل ولن أرجوك شيء، لست ضعيفة ستنتهي معاملتي إن لم يكن اليوم سيكون الغد القريب"...
 
 فَغَرَ المدير فمه وحاول أن يتحدث، إلا أن حروفه خرجت كهمهمة دب يستفيق من سبات شتوي. لكني أكملت حديثي، متجاهلة ما يقول، فأردفت: "لم أتعلم شيء في حياتي أكثر من نعمة وجود العدالة الإلهية، الحاضرة دائما، قد يتأخر عقابها على الظالم لأسباب وحكمه يوضحها الوقت، ولا يشكل فرق التوقيت معضلة بالنسبة لنا، فنحن شعب تمتلئ أرصدته بفائض لا يستهان به من الصبر"..
 
صمت، وأنا المح زجاج عينيه يلمع، كمن يمسك بدموع باكية، عربد صدري بأمنية شريرة لإسقاط تلك الدموع، الا أني قيدت نفسي بصعوبة عن مواصلة مواعظي، ورمقته قبل أن استدير: "ستأتي العدالة المستحقة إن عاجلاً أم آجلا"..
 
 لا أعرف من أين جاءتني الشجاعة لأقول تلك الجمل المتراصة دون تأتأة أو تحضير، فأنا أكثر الناس الذين قابلتهم جبناً، ربما لأني تخطيت أوراق معاملتي بما كنت أقصد بعباراتي، وقد استشعرت اليمن تسند ظهري وتنتزع من قلبي كل خوف..
 
استدرت لأغادر المكتب، إلا إن صوتا مرتعشاً جعلني أتوقف، المدير العام يشير لي بالعودة ويمد يده للملف، ليضع عليه توقيعه وختمه قبل أن ينظر باتجاهي دون أن يتفوه بكلمة. يبدو أني لم أكن الوحيدة التي لمحت ظلال اليمن خلفي، لمحها هو الاخر وأثارت فزعه، حين استقراء من عينيها المستقبل..
 
أفراد الميليشيا بلا سلاح مجرد أياد مرتعشة، أرواح تائهة رفضت شروط الانتماء لهذا الوطن، وأصرت على فرض نفسها بالقوة لتصبح بلا هوية. مازلت أتساءل حتى اليوم: هل يؤمنون حقاً بما اقترفته أيديهم في حق هذه الأرض، أم أنها المكاسب التي حصلوا عليها من تزين لهم أفعالهم؟! أشتم رائحة الندم تسري في عروقهم، يخفونها بالعطور، لكن الخوف من العاقبة هي ما تجعلهم يصرون على هذا الطغيان الأعمى.
 
لا تنسوا بأن عقلية السلالي تتغذى على عقدة الخوف التي تسيطر عليه كلما انحسرت قوته، لذلك هو بارع في استخدامها وتسليطها على سكان المناطق المسيطر عليها.
 
يرتجف أكثر مما نتخيل، ويخفي ارتعاشة خوفه خلف بندقية مصوبة وصدمة رعب مقصودة، وهو خلفها قزم لا تكاد تراه..
 
تردد صدى خطواتي وأنا أغادر، ولسان قلبي يكرر "أليس الصبح بقريب". وصلت منزلي وسجدت شاكرة الله. لم أكن أفكر لحظتها في المعاملة التي انتهت أو لما اعتبرته أولى انتصاراتي.
 
كان سر فرحتي عدم وجود حماية من الزينبيات في ذلك المكتب الحكومي، فلا شيء يثير فزعي أشد من حضورهن!!..
 
أن تواجه كتيبة ميليشاوية محاربة، أخف وطأة من مواجهة زينبية! أو امرأة، لأكون منصفة. فلا تتورع النساء في معاركهن عن استخدام الأسلحة المحرمة دوليا، دون إبداء أي لمحة من رأفة أو شفقة على ضحاياها!!..

فالبعد عن معاركهن يكون غالباً منجاة.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر