حبلناها، وستلد!


غمدان اليوسفي

(ماكسيما زوريجويتا) ملكة هولندا، امرأة أرجنتينية ولدت ودرست وتخرجت وعملت في بوينس آيرس في الأرجنتين، وفي حفلة في أشبيلية بأسبانيا عام 1999 تعرف إليها ملك هولندا فيليم ألكسندر وقرر الزواج منها، وفي 2002 منح البرلمان الهولندي الموافقة للملك بالزواج منها ومنحها جنسية هولندا وتزوج الملك الهولندي بالفتاة الثلاثينية الأرجنتينية وصارت ابنتها حاليا ولية للعهد.
 
حين أنجب ملك هولندا ولية عهد الدولة من الفتاة الأرجنتينية كان بدر الدين الحوثي يقول إنه لايؤمن بشرعية النظام القائم معيدا للناس الحديث عن فكرة طويت قبل عشرات السنين وهي فكرة (ولاية البطنين).
 
فارق مهول بين بلد غرقت في الحروب قديما وأصبحت اليوم إحدى أكبر اقتصادات أوروبا، وبين بلد غرق في الحروب قديما وحديثا بسبب فكرة سلالية بغيضة همها أن تحكمنا بدون أدنى تفكير بكيفية الحكم، وكل الهم فقط هو تكريس السلالة كصاحبة حق بأن تجلدنا دون أن تمنحنا حتى حق الصراخ من آلام سياطها.
 
يعود اليمنيون اليوم إلى روح سبتمبر محملين بكل آلام الأعوام الثلاثة الأخيرة، لينبشوا آلام السلالة التي التصقت على أقدام الأحرار السجناء جراء سجون (الرادع) و(القاهرة) و(نافع) وغيرها من مسميات الرعب الهاشمي المتوكلي طوال أربعين عاما من حكم الإمامين أحمد ويحي.
 
لم تأت ثورات 1948 ثم 1955 وبعدها سبتمبر 1962 مجرد عبث، بل كانت صرخات مقهورين ذاقوا ويلات السجون لمجرد أنهم قرأوا صحيفة تسربت من عدن، أو تنفسوا عن وجع في مقيل ما، أو فكروا بأن يكون هناك دولة، فألبسوا تهم سخيفة وذاقوا هوان السجون.
 
تسلم الإمام يحي أكبر مستشفى من الأتراك (مستشفى صنعاء الكبير) وحوله إلى قصر (دار السعادة) ليعيش هو بسعادة وحده، ومثله اليوم قادة الحوثي الذين يقولون للموظفين (داوموا بالرواتب اللي استلمتموها خلال السنين السابقة)، بينما يشاهد الجميع عشرات الصور التي تظهر تكدس الأموال في شقق (المشرفين).
 
الأسبوع الفائت أطلق الحوثيون سراح يحي الجبيحي بعد عام من التنكيل في سجونهم بدون أي تهمة، وأبقوا على ابنه حمزة دون أي تهمة أيضا، ولكن إمعانا في القهر كي لا يفكر يحي الجبيحي بالنزوح إلى أي مكان آخر فأبقوا ابنه (رهينة).
 
اليوم يعود نظام الرهائن إلى الحياة بطريقة أكثر بشاعة، فيحتجزون سائق أحد وزراء الشرعية بدون أي تهمة، فقط لأنه كان يسوق سيارة شخص أصبح وزيرا للشرعية، واليوم مضى على سجنه 13 شهرا وهو مواطن بسيط يعيل 8 أطفال.
 
الرهائن في عقلية أسر الحكم الهاشمية أسلوب حياة، وقد أوردت رسالة ماجستير أعدها الباحث أمين الجبر حول (نظام الرهائن في عهد المملكة المتوكلية) أن عدد الرهائن في فترة الحكم الإمامي تجاوز أربعة آلاف رهينة، وتكللت الرسالة بوثائق مرعبة وهي عبارة عن مراسلات بين الإمام يحي وعماله في المناطق اليمنية.
 
من ضمن تلك الوثائق رسالة قادمة من تهامة للإمام من سجن (خانة اللوا) كما ورد في الوثيقة، وممهورة بثلاثة توقيعات سبقهم تعريفات (خادمكم شاوش الحبس)، (المملوك أمير العكفة)، (عبدكم كاتب الحبس)، وتشير إلى أن إجمالي (المراهين والمحابيس) بلغ (279 نفر فقط لاغير) بينهم 242 رهينة والبقية سجناء.
 
كل هذه التفاصيل جعلت روح سبتمبر تقفز إلى المشهد معيدة إلى الأذهان جنون السلالة الهاشمية الحاكمة والتي ملأت السجون في الماضي واليوم تعيد الكرة لتتاجر بالأجساد كعبودية وكنظام رهائن جديد.
 
آلاف السجناء الذين خرجوا مقابل مئات ملايين الريالات يكشف أننا أمام نخاسين جدد، فقد كان الإمام يحي يحتجز الناس رهائن ويأخذ من قبائلهم أموال مقابل أكل أولئك الرهائن في السجون، واليوم يعبئ الحوثي السجون بالمعتقلين ممن ليس لديهم تهم ليطلق سراحهم مقابل ملايين الريالات وبلغ الأمر إلى المطالبة بالدفع بالدولار.
 
اليوم يعيد الناس التفكير بثورة 62 ويخلقون الأسئلة حولها ليصلوا إلى فكرة أن الثورات كانت ضد فكرة السلالة أولا وأخيرا، واستفاد الثوار من ثورة 1948 حين استبدلوا إماما بإمام بدأ بأعمال الكبرياء والتجبر والاحتجاب على من أوصلوه ولم يمض على مقتل الإمام يحي سوى أيام فانتهى به الأمر إلى الفشل بعد 24 يوما.
 
"ولذلك كله نؤمن – نحن اليمنيين – بأن الثورة "السبتمبرية"لم تكن من أجل تحسين الوضع المعيشي والرفاه الاقتصادي، وإن كان ذلك ضمن أهدافها" كما قال الصحفي سمير رشاد اليوسفي، "وانما جاءت في الأساس لتخليص اليمنيين من عبودية من يعتقدون أنهم "سادة "لمجرد أنهم تخلقوا من نُطفة شخص يزعمون أفضليته .. في مُخالفة صريحة منهم لتأكيد القرآن بأنهم مخلوقون من (ماء مهين)".
 
اليوم برغم كل الأوضاع وتراخي المواجهة لهذا المد السلالي، والتجرؤ على رفع شعارات الولاية والإفصاح من قيادات حوثية كفضل محمد محمد المطاع عن موقف جماعة الحوثي من ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 بأنها كانت "انقلاب قتل فيها إمام المسلمين"، ودورات المهدي المنتظر في صنعاء وصعدة والتي يتم فيها تربية جيل من القادة المشعوذين، إلا أن تنامي الوعي يعيد للأذهان الإصرار الشعبي على اجتثاث السلالة من خلال 3 ثورات في ظرف 14 عاما.
 
الاحتفاء بسبتمبر هذا العام ربما كان الأكثر وعيا في تاريخ اليمن، أراد الناس قهر الحوثيين بإنعاش ذكرى هذا اليوم العظيم، وكأنهم يتلذذون بجلد هؤلاء بهذا الاسم القاهر (26 سبتمبر).
 
أجيال سبتمبر لاتموت، لأنها فكرة نبيلة، والأفكار النبيلة مهما قهرت تبقى على نبلها حتى تجد الجيل الذي يحملها بكل بسالة.
 
فلتقهروا هذا الشعب كما تريدون، ولتمعنوا في صنع أحزانه فالثورة (تولد من رحم الأحزان) كما قال نزار، وكما يروى عن جمال جميل قوله في لحظة إعدامه: (لقد حبلناها، وستلد).

*المقال خاص بـ"يمن شباب نت"

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر